ابن أبي الحديد

87

شرح نهج البلاغة

كتاب الله ، ولا عهد من رسول الله صلى الله عليه وآله ، فكيف أنت صانع ( 1 إذا تقشعت عنك غيابة ما أنت فيه من دنيا قد فتنت بزينتها ، وركنت إلى لذاتها 1 ) ، وخلي بينك وبين عدوك فيها ، وهو عدو وكلب مضل جاهد مليح ( 2 ) ، ملح ، مع ما قد ثبت في نفسك من جهتها ، دعتك فأجبتها ، وقادتك فأتبعتها ، وأمرتك فأطعتها ، فاقعس ( 3 ) عن هذا الامر ، وخذ أهبة الحساب ، فإنه يوشك أن يقفك واقف على ما لا يجنك ( 4 ) مجن . ومتى كنتم يا معاوية ساسة الرعية ، أو ولاة لأمر هذه الأمة ، بلا قدم حسن ، ولا شرف تليد على قومكم ، فاستيقظ من سنتك ، وارجع إلى خالقك ، وشمر لما سينزل بك ، ولا تمكن عدوك الشيطان من بغيته فيك ، مع أنى أعرف أن الله ورسوله صادقان ، نعوذ ( 5 ) بالله من لزوم سابق الشقاء وإلا تفعل فإني أعلمك ما أغفلت من نفسك ، إنك مترف ، قد أخذ منك الشيطان مأخذه ، فجرى منك مجرى الدم في العروق ، ولست من أئمة هذه الأمة ولا من رعاتها . واعلم أن هذا الامر لو كان إلى الناس أو بأيديهم لحسدوناه ، ولامتنوا علينا به ، ولكنه قضاء ممن منحناه واختصنا به ، على لسان نبيه الصادق المصدق ، لا أفلح من شك بعد العرفان والبينة ! رب احكم بيننا وبين عدونا بالحق وأنت خير الحاكمين ( 6 ) . قال نصر : ( 7 فكتب معاوية إليه الجواب 7 ) : من معاوية بن أبي سفيان إلى علي بن أبي طالب ، أما بعد ، فدع الحسد ، فإنك طالما لم تنتفع به ، ولا تفسد سابقة

--> ( 1 - 1 ) صفين : " إذا انقشعت عنك جلابيب ما أنت فيه من دنيا أبهجت بزينتها ، وركنت إلى لذاتها " . ( 2 ) المليح : الملوح بالسيف ، يقال : ألاح بالسيف ، ولوح : إذا حركه ولمع به . ( 3 ) أقعس عن هذا الامر ، أي تأخر . ( 4 ) كذا في صفين وأ ، وفي ب : " يخبيك " . ( 5 ) صفين : " فنعوذ " . ( 6 ) صفين 121 ، 122 . ( 7 - 7 ) صفين : " فكتب معاوية بسم الله الرحمن الرحيم " .